ربما كانوا يريدوننا أن نسأل

يحدث كثيرًا أن يتعرض بعض من أعز الناس علينا لظروف صعبة، قد تكون ظروفًا مالية، أو وعكات صحية، أو غير ذلك، ويحدث أن نحاول أن نسألهم عما بهم فيجيبون إجابات مقتضبة، تجعلنا نحجم عن مواصلة السؤال، وعن محاولة معرفة المزيد عما بهم، فتموت بادرة الاهتمام في حينها، وتُدفن في مكانها، وتمضي الحياة بنا، وتمضي بهم، ولكن شتان بين حياتنا وحياتهم..

حين نخسر أولئك الأشخاص الغالين جدا على قلوبنا قد يخطر في أذهاننا، متأخرًا جدا، أنهم ربما كانوا يريدوننا أن نواصل السؤال للتأكد أنه ليس من باب المجاملة التي قد تجرحهم، أو يريدوننا في وقت لاحق أن نعاود المحاولة، كي يرموا بثقل همومهم على أكتافنا!

ربما كانوا يريدون أن يجدوا الصدر الحاني كي يلقوا برأسهم ويبكوا دون إحساس بالزمان أو المكان، ربما كانوا يريدوننا أن نشعرهم أنهم جزء من حياتنا وأن سؤالنا عنهم إنما هو سؤال المهتم وليس المجامل، سؤال الذي يريد أن يعرف ليفعل، وليس الذي يريد أن يعرف ليشبع فضوله فقط.

لا أعرف لماذا يقطعني الندم وأنا أتذكر خالتي الغالية التي رحلت بعد صراع طويل مع المرض، لأني لم أسألها بإلحاح عن أحوالها كما يجب أن تسأل أي واحدة في مكاني!

لماذا استسلمتُ لتحذيرات المحيطين بنا بأنها لا تحب أن يسألها أحد، وأن مجرد السؤال عن الأمر يزعجها. كانت –رحمها الله- تبدو كالوحيدة وهي المحاطة بعائلة كبيرة تحمل لها كل الحب، لكن كل المشاعر تقف عند حدود مرضها الذي لم أجمع شجاعتي يوما وأسألها عنه بصراحة أكبر. لا أعرف عمق الحوار بينها وبين أخواتها، لا أعرف إلى أي حد كانت تستطيع أن تفضي عما تشعر به، أو تريده، أو تحتاجه، فقد كانت كتومة جدا، ولكني أعرف جيدا أنني اكتفيتُ بما سمعت، ولم أحاول أبدًا أن أتجاوز الخط الذي رُسم لي ولغيري، وإن كنت أعمل جهدي حين يتيسر لي ذلك كي أفرحها بشيء تحبه، أو أتوقع أنها قد تحبه.

ربما كنت –كما هو حالنا جميعا- أظن الموت بعيدًا عنها، لأنها مواظبة على جلسات العلاج، ولأننا جميعا نادرًا ما كنا نسمعها تشتكي أو تتذمر،.. لذلك لم أحاول أن أنبش في أعماقها أكثر، وأسأل وأطمئن عليها بمجرد السؤال عن تقدم علاجها مع المرض.

وإلى اليوم لا أستطيع أن أفهم لماذا أشعرنا بأنها تعاني من مرض مخجل وعلينا ألا نسألها عنه كأنها أذنبت بمرضها وليس كما هو معروف في ثقافتنا الإسلامية بأن المرض يزيل الذنوب؟ لماذا جعلونا نقتل أي سؤال يخطر في ذهننا على أطراف ألسنتنا فلم يخرج من شفاهنا أبدًا، ولن يخرج بعد اليوم؟

اليوم، أكتب هذه السطور بدموع الندم، لأنني لم أسأل، لأنني لم أكن قريبة بما يكفي، لأنني اكتفيتُ بما طلب مني الآخرون بأن أكتفي به، ولم أحاول أكثر، لم أتقدم أكثر وقد كانت علاقتي بها تسمح لي أن أسأل وألح في السؤال، وأن أفعل شيئا لكنني لم أفعل.

أشعر بالندم لمجرد التفكير في أنها ربما كانت تريدنا أن نسأل، ونبدي الاهتمام أكثر، ربما كانت تنتظر ذلك، وليس كما نُقل لنا أنها لا تريد أن يسألها أحد عن ذلك.. ولو كنتُ متأكدة من أنها كانت مرتاحة بذلك القدر من السؤال العادي والاهتمام التقليدي لربما خف عني الإحساس بالندم الذي يلازمني منذ أن فقدت الوعي إلى أن غادرت دنيانا هذه إلى من هو أرحم بها منا.

يمكن اعتبار هذه السطور دعوة لكل شخص بألا يتردد في التواصل مع من يعزون عليه إن كانوا في ظروف تتطلب منه إبداء الاهتمام بهم، والتعبير عن ذلك بشكل عملي، فالحزن عن بعد لا يكفي، والدعاء لهم بظهر الغيب وإن كان غاية المطلوب، إلا أنه غير واضح لهم، ولا يشعرهم بقدرهم في نفوسنا، لذلك من الضروري أن يكون التعبير عن الحب والاهتمام أكثر وضوحًا بالنسبة لهم قبل أن تفقدوهم، فتتخبطوا في ظلمة الندم، كما هو حالي الآن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: