الكاتبة بين الإبداع والنشر

girl writing

مع الكتابة كانت البداية..

فعل الكتابة هو الفعل الأصعب،، ومن يستطيع أن يقوم به سيرى كل شيء بعده سهلا،، لأنه يفتح مغاليق الأبواب.. ويسهل جميع الصعاب،، يعني.. إذا كتبت كتابًا متميزًا، قيّمًا، وأفنيتَ بضع سنوات من عمرك وأنت تعمل عليه، لا بد أن تجد ناشرًا يرحب بنشر كتابك، أو ربما يطلب منك أن تنشر كتابك عنده..

وقد مررتُ بهذه التجربة في أول كتاب لي، وهو بعنوان (مدخل إلى الأدب التفاعلي)، حيث طلبت من الدكتور عبد الله الغذامي أن يكتب له مقدمة، وبالفعل كتب المقدمة، ثم رشّح الكتاب للنشر في المركز الثقافي العربي- بيروت/ الدار البيضاء، وهي دار نشر متخصصة في الكتب الأدبية، وفي مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية بصورة عامة، فرحبّت الدار بنشر الكتاب دون أن أتحمل التكاليف، إلا إن أردت الكتاب ملونًا!! فعلي أن  أدفع قيمة الألوان حينها!

كان موضوع الكتاب ينادي الناشر، لذلك لم أجد صعوبة في نشره..

لكن ما الذي يحدث الآن في عالم الكتابة؟؟

أن تكون كاتبًا في وقت يمكن لأي شخص أن يكون كاتبًا يعني أنك دخلت معادلة الغث في مقابل السمين، ولكن هناك معادلة أخرى للأسف، وهي معادلة الكثرة في مقابل القلة.. فهناك غث كثير في مقابل سمين قليل، ولا بد أن يحضرني هنا قول السموأل:

تعيرنا أنا قليل عديدنا.. فقلت لها إن الكرام قليل

الكتابة ليست تحويل بياض الصفحات إلى سواد،،

الكاتب الحقيقي هو الشخص القلق، السائل، المتسائل، الذي يكون تدفق الأفكار في ذهنه أكبر من أن يوقفه إلا عبر الكتابة، الذي يملك القدرة على أن ينقد متوقفا عن مواضع القوة والضعف، الذي يستطيع أن يقدم حلولا ومقترحات بناءة.

حتى في المشاهدات، الكاتب الأصيل لا يصف فقط مشاهداته وما يراه أمامه بعينيه، بل هو الذي يغوص ويحلل، ويربط ويقارن، ويرى ما يحدث خلف المشهد الذي يراه بعينيه،.. فللكاتب الحقيقي عينان في قلبه أيضا!

إننا حيث تلفتنا تعرفنا إلى كاتب جديد، وفي كل يوم تطل علينا كاتبة جديدة، وهكذا ضاع الكاتب الحقيقي الجاد، ذو القلم الرصين، الذي يجد لكل كلمة يكتبها أثرًا وتأثيرًا، فيقضي الليل يعدل ويضيف ويحذف في نص له، ولا يلقي به إلى الجرائد أو دور النشر أو أي موقع إلكتروني إلا بعد أن يعيد قراءته مرات ومرات، وبعد أن يعرضه على من يثق به، ليس لأنه غير راض عنه، أو غير متأكد مما كتبه، بل لأنه يسعى دائما نحو الأفضل، ويدرك جيدا قيمة الكلمة، ويقيم أهمية كبرى للمتلقي الذي سيقرأ نصه..

أما بعض من يُحسب على الكتّاب اليوم، فلا أظن أنه سيفهم شيئا من كلامي هذا.. وسيتساءل بينه وبين نفسه: ماذا تريد هذه؟ لأن ما أقوله ليس سهلا على أي شخص أن يشعر به إن لم يكن كاتبًا حقيقيًا،، مؤمنًا بالكلمة وأثرها، باذلا وقته وجهده في سبيل كتابة نص ربما لا يتجاوز طوله صفحة ونصفًا!

واليوم،، أنا ناشرة أيضا..

النشر يمكن أن يكون ورقيًا ويمكن أن يكون إلكترونيًا، وقد قرأت دراسة عن دعم النشر الإلكتروني للنشر الورقي، ومساهمته في الترويج له، وهذا عكس ما يُشاع عن أن النشر الرقمي سيقضي على النشر الورقي،، لأن الذين يطلقون مثل هذه الأفكار لم يتعبوا أنفسهم في القراءة والبحث عما يتكلمون فيه.. لذلك أطلقوا دعوات مثل: وداعًا للورق!!

كنتُ قد تكلمت على الكتابة وكيف أصبح هناك متطفلون على عوالمهما المنيعة.. والآن ربما أتوقف قليلا عند المتطفلين على عالم النشر أيضا.. وربما أكون منهم.. لكن على الأقل يشفع لي أنني لم أدخل هذا المجال إلا وأنا أكتب للأطفال منذ سنوات، ولدي قاعدة بيانات جيدة جدا للرسامين والكتاب والمصممين، ولدي خبرة في تأليف المناهج الدراسية، والتحقت بدورات عدة عن الكتابة للأطفال، وبدورات أخرى للناشرين، وعن المحتوى الذي يقدم للأطفال سواء ورقيًا أو بصريا أو سمعيا من خلال عملي كمديرة تربوية لبرنامج افتح يا سمسم.. بالإضافة إلى خبرتي في اللغة العربية التي أحمل درجة الدكتوراة فيها،،

أعتقد أن كل هذه الخبرة التي توفرت وأنا لم أتجاوز وقتها 40 سنة يجب أن أوظفها وأن يستفيد منها المجتمع، وقد كنتُ أدرّس في الجامعة، لكني وجدت أننا هناك “كمن ينفخ في قربة مقطوعة!!”، فلا فائدة من تعليم من لم يتعلم على مدى 14 سنة (بإضافة سنتي رياض الأطفال إلى الاثنتي عشرة سنة المدرسية)! لذلك.. أسستُ دارًا لنشر كتب الأطفال (مؤسسة سما للنشر والإنتاج والتوزيع)، وجعلت شعارها (بكتابي أرى العالم)، ورسالتها أن التأسيس اللغوي يبدأ مبكرًا.. وأحاول من خلالها أن أقدم خلاصة ما لدي من تجارب وخبرات في كتب وتطبيقات وقصص وألعاب وغير ذلك.. محاولة أن أجمع بين الترفيه والتعليم والتوعية.

  • ولكني أتساءل: وماذا عن الذين ليس لهم في العير ولا النفير؟
  • كيف يعمل في النشر شخص لم يقرأ كتابًا من قبل! ولا يقرأ إلى اليوم؟
  • كيف يعمل في النشر شخص لا يرى أهمية للكتب؟
  • كيف يعمل في النشر شخص لا يقدم شيئا مفيدًا؟

لا أخفي أنني حين أرى زملائي الناشرين من الإماراتيين أو الخليجيين يزدادون عددًا أشعر بسعادة، ولكن هذا الشعور فقط حين يكون الشخص قادرًا على ملء المكان الذي يريد أن يدخله.. أما آخرون فلا أعرف هل أشفق على المهنة منهم، أو أشفق عليهم من المهنة!

بين الكتابة والنشر..

ما يقلقني اليوم،، وأنا أقف بيني وبين نفسي ككاتبة وناشرة،، هو أن عددا من الكتّاب اليوم يتباهون بضآلة الوقت الذي يقضونه في الكتابة.. يتباهون بأنهم لم يحترموا القارئ بما يكفي فقدموا له نصا مسلوقًا “نصف سلقة”!!

لا أعرف مصدر الفخر في أن تُكتب رواية في ثلاثة شهور، أو في شهر، ومؤخرا سمعت عن رواية لليافعين كُتبت في أسبوع!!

أرسكين كالدويل في (اسمها تجربة) يذكر أنه قضى سنوات طوالا من عمره وهو يحاول أن يقدم نفسه ككاتب ونجح في ذلك في القصة الخمسين ربما!

ليس من السهل أن تصبح كاتبًا في الغرب، ولا يمكن لناشر أن يقبل بنشر كتاب ضعيف، ولكن عندنا يمكن لأي شخص كتب بضع صفحات أن يصبح كاتبًا، وأن يُنشر كتابه!

من المهام التي أرى أنني يجب أن أقوم بها كناشرة هو الارتقاء بمستوى الكتّاب،، يعني،، النص الذي يحمل فكرة جيدة، وأرى أن كاتبه يريد أن يصبح كاتبًا بالفعل، أمنحه جزءًا من وقتي، وأعمل معه على النص، بحيث يعرف هو بنفسه كيف يكون نصه أفضل، ونتناقش معا حتى نصل إلى المستوى الذي يمكن أن يُنشر النص به!

هذا يساعد في أن تصبح نصوص الكاتب نفسه أفضل في المرات القادمة، لأنه امتلك الأدوات.. وصراحة أجد تفاعلا من الكتّاب الجادين الذين يحبون أن يتعلموا.. أما الذين يرون أنهم وُلدوا كتّابًا فأنصحهم بأن يبحثوا عن دار نشر أخرى تقدر مستوى إبداعهم أكثر!

أنا حقيقة أؤمن بالتخصص، وأن كل إنسان مسخر لما خُلق له.

وأؤمن بأن كل إناء بما فيه ينضح.

أؤمن أيضا بأن لكل مجتهد نصيب.

لماذا توجهت لعالم النشر؟

  • لأن ما يقدم في المجال الذي أستطيع أن أحكم عليه، وهو ما يتعلق باللغة، لم يصل إلى المستوى الذي يرضيني.
  • لأنني أشعر بمسؤولية تجاه المجتمع، وعلي أن أؤديها على النحو الذي يشعرني بأن عضوة فاعلة فيه.
  • لأن لي رأيًا فيما يقدم، وكيف يقدم، وكيف يمكن –وأحيانًا كيف يجب أن يقدم- لأطفالنا.
  • لأنني أرى أن المتسلقين على جدران الأدب واللغة كثر، ومن واجبي أن أقول بشكل مباشر أو غير مباشر: أنت متسلق!
  • لأن البعض يغيب لديه الإحساس بالمسؤولية المجتمعية إزاء المصلحة الشخصية، فلا بد من إحداث الموازنة.
  • لأن الكتابة للطفل والنشر له أمر دقيق، ويحتاج لأناس مؤهلين بالدراسة والتخصص، أو لديهم أساس، وقابلية لتأهيل أنفسهم بالدورات والتثقيف الذاتي.

أثر الإبداع على النشر:

  • ساعدني الإبداع على أن أكون منصفة ما مع زميلي المبدع، أو أن أحرص على توخي الإنصاف قدر الاستطاعة.
  • وساعدني على أن أكون مبدعة في النشر أيضا، ولا يخلو الأمر من كبوات!

الملخص..

  • الكتابة هم.. والنشر هم،، ولكنهما همّان لذيذان لمن يرى نفسه فيهما..
  • ربما أرى نفسي كاتبة أكثر مني ناشرة، لكني لا أشعر بالضجر من كوني ناشرة، خصوصا في وجود من يساعدني في هذا الأمر، هدفي الأساسي هو المساهمة في الارتقاء بما يقدم للطفل العربي.

 

من ورقة قدمتها في ملتقى الأديبات الإماراتيات، الشارقة، 2016.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: