طقوس الكتابة

img_0875

اعترافاتي عن طقوسي في الكتابة..

إني وكل شاعر من البشر                       شيطانُه أنثى وشيطاني ذكر

يلحّ علي هذا البيت كثيرًا الآن،، وأنا في سياق الحديث عن طقوس الكتابة..

هل قلتُ “طقوس”؟؟

نعم،، طقوس الكتابة،، ومفردها طقس

دعوني أستحضر معاني كلمة “طقس” المعجمية قبل الانطلاق في الحديث عن طقوسي في الكتابة..

الطّقْسُ: النظام والترتيب.
والطّقْسُ (عند النّصارى): نظام الخدمة الدينية أو شعائرها واحتفالاتها.
والطّقْسُ حالة الجو أو المناخ. والجمع: طقوس.

المصدر: المعجم الوسيط

إذن الطقس إما النظام والترتيب، أو الحالة “المتعلقة بالجو” تحديدًا، فأي المعنيين هو المقصود هنا في قولنا “طقوس الكتابة”؟

من الطبيعي أن يكون المعنى المتعلق بالنظام أو الترتيب هو المقصود، ولكني أيضا أعتقد أن معنى “الحالة” أو “الجو” لا بد أن يكون له حضور في سياق الحديث عن الكتابة.. فالكتابة لا تخلو من حالات تستقر أحيانًا وتتقلب أحيانًا أخرى، كالجو تماما..

إذن،، نحن هنا للحديث عن نظام الكتابة وأحوالها

ماذا أكتب؟

تتنوع كتاباتي ما بين الأبحاث العلمية التخصصية، في النقد والبلاغة وفي الأدب التفاعلي، والمقالة في النقد الأدبي أو النقد الاجتماعي، وأيضا قصص الأطفال..

  • 10 كتب مطبوعة.
  • 10 أبحاث علمية محكمة.
  • أكثر من 60 إصدارًا للأطفال.

لكني….

سأعترف بأني لم آتِ من وادي عبقر.. وليس لي شيطان يُذكر،، لا أنثى ولا ذكر..

أنا أكتب غالبًا ببساطة ويسر،

ويمكن أن أزعم أن معظم نصوصي جاءت كما يغرف جرير من بحر

ولكن في أحيان كثيرة أيضا أجد أن الكتابة فعل متعسر

ليست إلى الدرجة التي كان يعاني منها الفرزدق الذي كان كمن ينحت في صخر

وقد قال هو عن نفسه: “إن خلع ضرس أهون عليّ من قول بيت من الشعر”

هي إذن حالات متفاوتة.. تسهل أحيانا، وأحيانًا تتعثر..

والآن،،

في ضوء هذا الوضع الذي أصفه،، هل للكتابة عندي طقوس؟

ربما!!

ولكن طقوسي بسيطة جدا،، وعامة في الوقت نفسه، فمعظمها يتعلق بما قبل الكتابة، أي كيف أعدّ نفسي للكتابة، وليس بأثناء الكتابة.. كيف أكتب أو كيف أكون لحظة الكتابة..

سأتحدث عن طقوسي في الكتابة من زوايا مختلفة:

  • الاستعداد للكتابة
  • المكان
  • الزمان
  • أدوات الكتابة
  • الإبداع الجماعي
  • التدفق الإبداعي

الاستعداد للكتابة..

فيما يتعلق باستعدادي للكتابة.. أنا أحتاج فنجانًا من القهوة حين أبدأ ونادرًا أن يتكرر في الجلسة الواحدة. لأني حين أبتعد عن الكومبيوتر أفقد خط اتصالي بالفكرة، “كأن الشيطان يغادرني حينها”.. لكن الفنجان يجب أن يبقى على المكتب، كي يبقى عبق القهوة حاضرًا في المكان، ويمدني بالطاقة اللازمة لمواصلة الكتابة..

المكان..

أول اعترافاتي فيما يتعلق بمكان الكتابة هو أنني أكتب حين أكون خارج المنزل في الأماكن التي تختلط فيها الأصوات، مثلا في المقاهي، وقد كتبت رسالتي الماجستير كاملة تقريبا في جلسات متتالية في مقهى الفاروقي في منطقة الشميساني في عمّان- الأردن، وقد حصلت هذه الرسالة على إعجاب الدكتور الراحل إحسان عبّاس عليه رحمة الله، وقال إنه لم يُكتب في موضوعها مثلها..

أما رسالتي الدكتوراه، فقد كتبت معظمها في مريديان عمّان، حيث أدمنتُ هناك أمرين:

  • مذاق القهوة التركية التي يقدمونها،
  • أداء عازفيْ الناي والبيانو اللذين كانا موجودين يوميًا في تلك الفترة.

لكن المفارقة هي أنني في المنزل لا أكتب إلا في الهدوء، وقد اعتدت الهدوء في أثناء إقامتي في العين بعيدًا عن أهلي، فكانت أجواء البيت هادئة دائما..

والآن مع وجود طفلتين جميلتين، لا يمكنني أن أكتب في المنزل إلا بعد أن تناما، أو أن تذهبا مع والدهما إلى أي مكان خارج المنزل.

اعتراف آخر يتعلق بالمكان، وهو أنني أحب الكتابة في الأماكن المغلقة، في الأماكن الضيقة نوعًا ما.. في المقاهي تحديدًا، ولي مقاهٍ محددة، فأنا لا أحب أي مقهى، ولا أستطيب مذاق أي قهوة..

لا أحب أن أكتب في الأماكن المفتوحة،، الاحتواء مهم جدا بالنسبة لي،، أي أن أشعر أن المكان يحتويني، كأنني أطمئن إلى أن فكرتي لن تذهب بعيدا، بل ستبقى تدور حولي وإن ابتعدت فلها حدود تصل إليها ثم تعود لي!!

لذلك أنا لا أذهب إلى البر أو البحر للكتابة، ولا إلى الحدائق.. وأنا أساسا لا أحب هذه الأماكن، ولا أذهب إليها إلا نادرًا، وإن ذهبت لا يمكنني أن أكتب فيها!

أما حين أكون في المكتبات العامة، وأنا أرتادها كثيرًا.. لا أكتب، بل أجمع المواد من المصادر والمراجع، وأرتب أفكاري فقط، أي أنني أنجز ما أسميه بالكتابة التركيبية أو التجميعية، أما الكتابة بما هي فعل إنشاء وإيجاد من العدم فلا يمكن أن تحدث هناك!!

الزمان..

أما بالنسبة للزمان، فرغم أن الكثير من النقاد العرب القدماء كان يذكر أن أفضل أوقات الكتابة هو الفجر، أو ساعات الفجر الأولى، حيث يكون الذهن أصفى، والقريحة أنقى، إلا أن هذا لم ينطبق علي قط!

فأنا أعترف بأني إنسانة ليلية بمعنى الكلمة، وأفضل ما كتبته في حياتي كلها كُتب مساء.. ربما أشترك في هذا مع ديستويفسكي الذي يُقال إنه كان من الكتّاب الليليين أيضا..

أدوات الكتابة..

كذلك علي أن أعترف أنني أفكر بأصابعي يديّ الاثنتين،، وليس بأصابع اليد اليمين فقط.. فحين أكون أمام لوحة المفاتيح ينشط ذهني بشكل كبير، وأستطيع أن أفكر وأكتب باسترسال أكبر مما لو كنت ممسكة بقلم وكراس أو أوراق..

ومن حوالي خمس عشرة سنة بدأت الطباعة بسرعة وبراعة على لوحة المفاتيح، ومنذ ذلك الوقت أصبحت لا أكتب إلا طباعة، وأصعب لحظاتي هي لحظات كتابة إهداء لأي من كتبي لشخص ما،، خصوصا إن كان شخصًا عزيزًا علي، لأنني أحتاج إلى أن أكتب له إهداء مميزًا، وليس مجرد إهداء رسمي، وكثيرًا ما كنت أتمنى لو أننا نستطيع طباعة إهداءات كتبنا بدلا من كتابتها بخط اليد، لأنني متأكدة أنها ستكون أجمل وأكثر إبداعًا!

الإبداع الجماعي..

سأتوقف الآن عند واحد من النصوص التي كتبتها مؤخرًا، بعنوان (حكاية الغابة) وهو نص للأطفال يعتمد على السجع أو الإيقاع،

حين كتبت هذا النص لم تكن الظروف حولي مهيأة لكتابته، ولكني عاندت الظروف وكتبته، وهو الآن بالنسبة لي واحد من أجمل نصوصي الخاصة بالأطفال،.. لكن الذي حدث وأنا أكتب هذا النص أنه تمت مقاطعتي مرات ومرات قِبَل أفراد عائلتي الصغيرة الجميلة، ومع ذلك لم أستسلم، فقد كان النص يريد الخروج للوجود، لذلك قاومت كل شيء وواصلت كتابته.. وحين كتبته لم أشعر أنه كُتب كما يجب، لذلك عرضته على عقلي الثاني، وعيني الثالثة، وهي أخت وصديقة عزيزة، وجودها في حياتي من أجمل النعم،، وعملنا معًا على تنقيحه، حتى خرج كما هو الآن..

وهذا أمر آخر يتعلق بطقوس الكتابة أود التوقف عنده،، أقصد الإبداع الجماعي؛ فكثير من المبدعين يعتقدون أن النص الأدبي يعنيهم وحدهم، وهم الوحيدون الذين يحق لهم العمل عليه، ولا يحق لأي كان أن يتدخل فيه، لكن في الواقع أعتقد أن النص يزداد غناء كلما زاد عدد العيون التي تعيد النظر فيه، والعقول التي تعيد التفكير فيه!!

في الغرب، خصوصًا مع ازدياد التوجه نحو الأدب التفاعلي، صار الإبداع الأدبي جماعيًا بطريقة لافتة؛ فقد صار النص الأدبي عبارة عن “عمل” يتعاون فيه الأديب والرسام والمصمم والمبرمج على أقل تقدير.. وحين يظهر العمل للوجود لا يكون ملكًا لواحد منهم دون الآخر، بل هو ملك لكل من ساهم فيه..

وفي ضوء انتشار الورش الخاصة بالكتابة الإبداعية صار الأدباء لا يترددون في طرح أفكارهم أمام الآخرين –وهم كتّاب مثلهم أو كتّاب محتملون- ويعرضون عليهم أفكارهم أو نصوصهم في مراحلها المختلفة، ويسمعون آراءهم فيها، ونصائحهم حولها، وكثيرًا ما تكون هذه الطرق أداة لتطوير النصوص أو الأفكار، وجعلها أفضل..

إلا أن الكثيرين ما يزالون متمسكين بالطريقة التقليدية للكتابة، وهي الاعتزال والانعزال، وإخراج النص بوصفه عملا منجزًا غير قابل لأي تعليق عليه بحكم أن الشخص الوحيد الذي يحق له أن يحدث فيه أي تغيير هو الكاتب نفسه، وأي تعليق لأي شخص يكون من باب النقد فقط.. أي المرحلة التي تتبع مخاض الكتابة

التدفق الإبداعي..

وأخيرًا،، سأتوقف عند التدفق الإبداعي.. عند لحظة الكتابة الأولى،، وهي أهم لحظة بالنسبة لي، فمن الصعب على أي كاتب أن يجلس للكتابة إن لم يشعر أن نصه اكتمل تشكله وصار جاهزًا ليخرج من الذهن إلى الورق، ليتحول من فكرة تدور في الرأس إلى سطور بين دفتي كتاب..

بالنسبة لي كثيرًا ما أكتب النصوص دفعة واحدة.. خصوصا نصوص الأطفال، حيث تأتي الفكرة وتتشكل في جمل جاهزة أو شبه جاهزة في ذهني، وحينها يبقى فقط أن أفرغها على لوحة المفاتيح.

أما في أعمالي البحثية –وأنا أتفق مع من يرى أن النقد والبحث العلمي إبداع، لأنه ليس أصعب من الكتابة، إلا الكتابة على الكتابة- فقد كان الأمر كله يتوقف على الفكرة، سأعترف أنني أفكر كثيرًا،، أفكر وأنا أقود السيارة، وأنا أجلس مع أهلي أو عائلتي الصغيرة، أفكر وأنا أتبضع للمنزل، وأنا أعدّ القهوة، لكن في لحظة من اللحظات، التي لا أعرفها ولكنها تحدث في كل مرة فجأة تأتي الفكرة، وعليّ في الوقت نفسه أن أكتبها، أن أوثقها، أن أحفظها إلى الأبد، وإلا طارت إلى الأبد أيضا!!!

وأخيرًا،،

وبعد كل ما قلت عن طقوس الكتابة.. سأعترف أيضا بأنه ليس المهم بالنسبة لي ما يحدث قبل الكتابة، أو أثناءها أو بعدها،، فحاليا وأنا في الأربعين من عمري لا أكتب بالطريقة نفسها التي كنت أكتب بها مقالاتي وأنا ما زلت طالبة في الجامعة وعمري نصف عمري اليوم،، ولا أظن إن امتدّ بي العمر بإذن الله أنني سأبقى أكتب بالطريقة نفسها، لكن المهم هو أن تبقى جذوة الكتابة متقدّة في الروح،.. أن يبقى شغف تحويل الأفكار إلى نصوص وأعمال إبداعية هاجسًا لا يهدأ،، ولا يترك لي المجال كي أهدأ..

لا أنكر أن الكتابة سواء كتابة الأبحاث العلمية، أو النصوص النقدية، أو نصوص الأطفال أخذتني كثيرًا من حياتي الاجتماعية، وحرمتني من أن أعيش كما تعيش الكثيرات من النساء على الأقل في محيطي الأسري: سهرات عائلية، مشاوير للتسوق الجماعي، تجمعات للإفطار كل مرة في مكان،، وغير ذلك، وربما أكون في نظر الكثيرات ممن أعرفهن “خسرتُ” أشياء كثيرة تبدو في نظرهن مهمة، لأنني “دفنت” نفسي في الكتب أو بينها،،

لكني أؤمن أنني كسبت الكثير،، كسبت نفسي،، كسبت أنني عشتُ كما أردتُ دائما، وليس كما أراد لي الآخرون أن أعيش، وأحمد الله كثيرا أنني رأيت الحياة بعينيّ وليس بعيون الآخرين، رأيتها من خلال سطور الكتب، وروائحها، ولون ورقها الأصفر، وعلى الرغم من أن هذا لم يكن بالأمر السهل إلا أنه تحقق ولله الحمد، وساندني في ذلك كثيرون، أهمهم والداي أطال الله في عمريهما، وزوجي، وصديقاتي، وأرجو أن تغفر لي ابنتاي سما وماريا تقصيري في واجبي تجاههما بسبب انشغالي بالكتابة عنهما، لكني أعتقد أنهما لاحقا ستفخران بما حققته وستغفران لي بإذن الله.

 

من مشاركتي في جلسة حول (طقوس الكتابة)، معرض الشارقة للكتاب، 2016.

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: