أنا طفلة… كنت شقية!- بقلم رقية العلمي

صورة ذات صلة

أنا طفلة…كنت شقية!

بقلم: رقية العلمي

مشاركة في المبادرة

عشت في بيت قديم يشبه القلعة يقع بمنطقة جبلية في مدينة رام الله تسمى بطن الهوى…جدتي تقول بإن بطن الهوى سمي كذلك لأنه مفتوح والرياح تضربه من كل الجهات…شتاء مُرَّ وبرد لا يحتمل…لكن جدران البيت الحجرية وقرميده الأحمر حصننا من البرد…

أنه الخلاء والفضاء…تتهاطل أمطار غزيرة…رياح قوية…أصوات رعد… ضوء البرق يلمع في السماء…

رسمت قوس قزح… أنتظره لساعات ليطل في الأفق البعيد فبقيت صورته معي دائماً وأبداً… لم يزل هو وألوانه محفوراً في ذاكرة… لحقت به الى مبادرة سما… يعجبني ألوان ذاك القوس قزح المروسة على منشوراتها…… كلما وجدت كتاباً فيه قوس قزح تذكرت طفولتي…هنا هناك في البعيد لكنه القريب.

في الصيف أتأرجح..أركض والأولاد والبنات في الحبالات والحواكير…ننظف حرش السرو من الحصى الصغيرة والكبيرة على السواء…. ثم نتخيل الحكورة مدينة نبدأ بتشيدها…نرص حجارتها من جديد…نبني شوارع ….والشرطي ينظم السير في ذاك مكان…

في الربيع ننزل الوديان: نقطف الأزهار البرية والمريمية والنعناع!

في الخريف ما قبل الغروب ننتظر الوطواط…قيل لنا بإن الوطاويط  تُعمى في المساء…نختبئ في زوايا الحديقة نراه ونسمع ثرثرته في المكان.وصوت ارتطامه بكل الأشياء المعلقة في الهواء تضحكنا..يعاود الطيران..فيصار الى اصطدام جديد.

في الشتاء كانت الليالي طويلة والعتمة سريعة فوجدت تسليتي في الحرف والكلمات.

معلمتي راهبة تُعلم اللغة العربية وأيضاً أمينة المكتبة، هل تذكرين الأخت أيدا (عايدة)؟ بالتأكيد تفعلين.

وقع نظري على كتاب عنوانه “نساء صغيرات” للكاتبة الأميركية لويزا مي الكوت، رفضت الأخت أيدا تسليفي الكتاب معللة ذلك بأن هذه القصة “لا تناسب عمرك!”

دسست يدي الى الرف وسرقت الكتاب…نعم…بلا تردد اختلسته…

ارتحلت بين السطور في سياق ممتع: تحكي القصة حياة أربع فتيات ميغ وجو وبيث وآيمي؛ عشت معهم أسى الفقر وألم فراق حيث ذهب الأب الى الجندية في زمن الحرب التي اندلعت بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية تاركاً زوجته وبناته الأربعة هناك في داره المتواضعة…. الأم تحيك الملابس وتطهو الطعام بينما تقوم البنات بمساعدتها في الأعمال المنزلية، كم حزنت لعوز الأم، بكيت كثيراً عندما اضطرت واحدة من البنات الى قص جديلتها من أجل النقود،

مقابل بيتهم المتواضع، يسكن السيد جميس لورانس وحفيده لوري، الحفيد يتيم ووحيد،…لا أم له ولا أب! يعيش في كنف جده…يراقب لوري العائلة من النافذة فيغار من حنان الأم.

من الجهة الأخرى تحلق عيون البنات الى القصر وزواياه البعيدة الممتدة ورقعة الأرض المشجرة ويحلمن بالعيش فيه، أحداث حلوة ومؤثرة…ركضت في براري وسهول وجبال الجوار، ما لفت نظري المفارقة الغريبة في تلك القصة: الفتيات يحسدن الحفيد على العيش في بيت جده الكبير بينما يحسد لوري البنات على الجو الأسري في البيت الصغير.

تناسيت عمداً أمر سرقة الكتاب، واحتفظت به متمنية أن تنسى المعلمة أمره، كنت تعلقت بحكاية البنات والجار، لذا دفنت الكتاب تحت المرتبة أطل على صفحاته من حين إلى حين.

مع مرور الوقت شعرت بالخجل، وبدأت الفكرة تلح على رأسي، “أعيدي الكتاب إلى المكتبة!”.

بعد أكثر من سنتين ذهبت الى الراهبة ومعي الكتاب…

  • ظننته ضاع مني، إذن هو عندك؟
  • هل قرأتيه؟
  • نعم فعلت!
  • وهل أعجبتك الرواية؟
  • …………..

عم الصمت المكتبة!

هذه حادثة محفورة في الذاكرة…

وهذا سؤال يلح على رأسي: “هل تجاهلت الراهبة موضوع السرقة، ام فعلاً ظنت أن الكتاب قد ضاع؟

تخرجت من المدرسة، سافرت وارتحلت؛ عند زيارة مدينتي قابلت الأخت ايدا في الشارع… سلمت عليها بحرارة!

لم تتذكر أسمي كما لم تميزه! مفارقة غريبة…فسألتني:

  • هل تقابلنا من قبل؟

قد يكون النسيان نعمة…عن الحقيقة أردت التحدث معها أكثر!

فلا هي ردت ولا حتى التفتت…لم يبدر منها أي ردة فعل…مسح الوقت كل ذكرياتها…حسبي إن هي نسيت فأنا لن أنسى…

ساعتها غادرت الى البعيد…فآل المكان الى صمت وسكون.

 

ملاحظة:

تم نشر النص كما هو، دون أي تدخل من طرف فريق #مبادرة_سما_للكتابة_الإبداعية.

مع خالص الشكر للكاتبة، وتمنياتنا لها بالتوفيق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: